فاجأنا الموت وهو يخطف منّا شاعراً كبيراً بحجم محمود درويش ، الذي ترك مسافات شاسعة بين الحلم والحقيقة ، وبقيت تلك الأرض تنتظر نبض الشعر ، نقرأ "الجدارية" كلما ضاقت علينا الدنيا ، وشعرنا بضجر الأيام وعبثها ، وهي تُحاصرنا في خبز أمي وقهوتها. عاش درويش حلم الثورة والمقاومة ، وهو يصرخ في وجه العالم "سجّل أنا عربي" ، إلى أن أصبح "نجمة سقطت بين الكتابة والكلام" ، وبقيت قريته تنتظر ابنها الذي غادرها صغيراً ، تبكيه تلك الأرض وهي تنام مفقأة العينين.ترك فينا درويش لغة الكلام ، تركض مع وحوش البرية ، وتُسمعنا عواء الذئاب ، وفحيح الأفاعي ، يُبعث من بين الرماد كالعنقاء كلّما دبّ فينا الكسل ، ونامت نواطير فلسطين عن ثعالبها ، لم يبق لنا سوى الحبّ الذي زرعته القصائد ، وأشعلت حرائق السنين ، مضت سبعة وستون عاماً ، بين جرح وجرح ، وبين عدو يتربصنا وصديق تدمع عينه علينا ، كلّما أحسّ بأن القضية أكبر من لغة الكلام. ضاق قلب درويش ، وهو ينظر مصرع هابيل على أرض السلام ، وانحاز للموت بعدما مرّغ الأشقاء وجوههم بتراب الأرض ، وكسرت أجنحة الوطن ، وطارت الفراشات بعيداً ، فـ "أنت منذ الآن غيرك" يا درويش. رأيتك في قاهرة المعزّ تُنشد شعراً مجروحاً في خاصرة الزمن ، ورأيتك في عمان تحمل عباءة المتنبي ، وتشعل شموع الفرح ، ورأيتك في عيون العالم تنشد للأرض حضور السماء ، كأنك "أول القتلى وآخر من يموت". ها قد مضى درويش ، وبقيت قصائده تتفتّق من سنابل القمح في مرج ابن عامر ، وتمرُّ في طرقات حيفا القديمة ، وتتسلل من فوق أسوار القدس ، وتنام في حضن رام الله ، وتطوف القرى والبيوت والشوارع ، "كأنها مطرّ على جبل تصدّع من تفتّح عُشبة". فسلام عليك يا أنبل الشعراء.ہ قاص وناقد أردني Date : 15-08-2008 |